الشوكاني
309
فتح القدير
أبواب كل شئ - وقوله - ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من قصة - الآية والأول أولى ( ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) أي ومن يعرض عن القرآن ، أو عن العبادة ، أو عن الموعظة ، أو عن جميع ذلك يسلكه : أي يدخله عذابا صعدا : أي شاقا صعبا . قرأ الجمهور " نسلكه " بالنون مفتوحة . وقرأ الكوفيون وأبو عمرو في رواية عنه بالياء التحتية ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله - عن ذكر ربه - ولم يقل عن ذكرنا . وقرأ مسلم بن جندب وطلحة بن مصرف والأعرج بضم النون وكسر اللام ، من أسلكه ، وقراءة الجمهور من سلكه . والصعد في اللغة المشقة ، تقول تصعد بي الأمر : إذا شق عليك ، وهو مصدر صعد ، يقال صعد صعدا وصعودا ، فوصف به العذاب مبالغة ، لأنه يتصعد المعذب : أي يعلوه ويغلبه فلا يطيقه . قال أبو عبيد : الصعد مصدر : أي عذابا ذا صعد . وقال عكرمة : الصعد هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها ، فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم كما في قوله - سأرهقه صعودا - والصعود : العقبة الكئود ( وأن المساجد لله ) قد قدمنا اتفاق القراء هنا على الفتح فهو معطوف على أنه استمع : أي وأوحى إلى أن المساجد مختصة بالله . وقال الخليل : التقدير ولأن المساجد . والمساجد : المواضع التي بنيت للصلاة فيها . وقال سعيد بن جبير : قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناءون عنك ؟ فنزلت . وقال الحسن : أراد بها كل البقاع لأن الأرض كلها مسجد . وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب : أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد ، وهي القدمان والركبتان واليدان والجبهة ، يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك فلا تسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله ، وكذا قال عطاء . وقيل المساجد هي الصلاة لأن السجود من جملة أركانها قاله الحسن ( فلا تدعوا مع الله أحدا ) من خلقه كائنا ما كان ( وأنه لما قام عبد الله ) قد قدمنا أن الجمهور قرءوا هنا بفتح أن ، عطفا على أنه استمع : أي وأوحى إلى أن الشأن لما قام عبد الله ، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( يدعوه ) أي يدعوا الله ويعبده ، وذلك ببطن نخلة كما تقدم حين قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ويتلو القرآن ، وقد قدمنا أيضا قراءة من قرأ بكسر إن هنا ، وفيها غموض وبعد عن المعنى المراد ( كادوا يكونون عليه لبدا ) أي كاد الجن يكونون على رسول الله لبدا : أي متراكمين من ازدحامهم عليه لسماع القرآن منه . قال الزجاج : ومعنى لبدا : يركب بعضهم بعضا ، ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش . قرأ الجمهور " لبدا " بكسر اللام وفتح الباء وقرأ مجاهد وابن محيصن وهشام بضم اللام وفتح الباء ، وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميفع والعقيلي والجحدري بضم الباء واللام . وقرأ الحسن وأبو العالية والأعرج بضم اللام وتشديد الباء مفتوحة . فعلى القراءة الأولى المعنى ما ذكرناه ، وعلى قراءة ضم اللام يكون المعنى كثيرا كما في قوله - أهلكت مالا لبدا - وقيل المعنى : كاد المشركون يركب بعضهم بعضا حردا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقال الحسن وقتادة وابن زيد : لما قام عبد الله محمد بالدعوة ، تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه ، فأبي الله إلا أن ينصره ، ويتم نوره ، واختار هذا ابن جرير . قال مجاهد لبدا : أي جماعات ، وهو من تلبد الشئ على الشئ أي اجتمع ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه ، وكل شئ ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته ، ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد لبدة ، وجمعها لبد ويقال للجراد الكثير لبد ، ويطلق اللبد بضم اللام وفتح الباء على الشئ الدائم ، ومنه قيل لنسر لقمان لبد الطول بقائه ، وهو المقصود بقول النابغة * أخنى عليها الذي أخنى على لبد ( قال إنما ادعوا ربي ) أي قال عبد الله إنما أدعو ربي وأعبده ( ولا أشرك به أحدا ) من خلقه . قرأ الجمهور " قال " وقرأ عاصم وحمزة " قل " على الأمر . وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنك جئت بأمر عظيم ، وقد عاديت